الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية في خطاب بمناسبة عيد الشغل: الطبوبي يتحدّث عن صندوق النقد الدولي و"الحيرة الحقيقية" ومبادرة الحوار الوطني ويقول "معنا شيء للبيع"

نشر في  01 ماي 2023  (18:41)

"معنا حتّى شيء للبيع... معنا حتى شيء للبيع"...

هكذا استهل الأمين العام للمنظمة الوطنية الشغيلة الاتحاد العام التونسي للشغل في الخطاب الذي ألقاه صباح اليوم من قصر المؤتمرات بالعاصمة بمناسبة  الاحتفال باليوم العالمي لعيد الشغل الذي حضره الامناء العام السابقون للاتحاد على رأسهم حسين العباسي وأعضاء الهيئة الإدارية الوطنية وعدد من مكونات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المرئية والسمعية والمكتوبة..

في هذا الإجتماع الذي حضره كذلك عدد كبير من النقابيين والعمال ومناضلات ومناضلي الاتحاد، اكّد نور الدين الطبوبي في كلمته أنّ أشغال بناء "دار الخدّامة" المقر الجديد للاتحاد قد شارفت على الإنتهاء مبيّنا أشغال البناء فيها قد تقدّمت بنسبة 80 بالمائة لتكون المحطّات النضالية القادمة من ساحة محمد علي التاريخية.

وأضاف الامين العام لاتحاد الشغل بأنّه "آن الأوان ليعود الدرّ إلى معدنه بعد التمتّع باستراحة المناضل في شهر رمضان... آن الأوان للعودة لطريق النضال السلمي والمدني الذي هو الطريق الوحيد من أجل تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية والدفاع عن الحريات العامة والفردية وكل قضايا التحرّر والانعتاق الإجتماعي".

وجدّد الطبوبي التأكيد في خطابه الذي واكبه موقع الجمهورية، بأنّ الحقوق لا تهدى وإنّما تفتك عن طريق التضامن ورصّ صفوف جميع النقابيات والنقابيين والمناضلات والمناضلين، مشيرا إلى أنّ الإحتفاء بعيد العمّال العالمي هو حدث يقف عليه في نفس هذا اليوم مئات الملايين من العاملات والعمال في جميع أرجاء العالم إجلالا لأرواح رفاقهم الذين سقطوا في شيكاغو الامريكية سنة 1886 برصاص الغدر الرأسمالي وهم يطالبون بإضراب سلمي لتحديد ساعات العمل ب8 ساعات في اليوم وبأجر عادل وفي حقّهم في إنشاء نقابات حرّة ومستقلّة عن السلطة وعن سطوة أصحاب العمل تمثلهم وتفاوض باسمهم بكل حرية.

وذكّر الطبوبي بقيام الشرطة في شيكاغو آنذاك باغتيال العشرات من العمال واعتقال وإعدام العديد من قياداتهم النقابية في محاولة لإجهاض نضالاتهم واغتيال حلمهم في عمل لائق وعيش كريم لهم ولأسرهم، قائلا إن تحويل غرّة ماي من كل سنة إلى حدث كوني يقف فيه عمّال العالم لتحيّة أرواح شهداء العمل النقابي في كل مكان وتثمين مكاسب الطبقة العاملة وتجسيد مبادئ وحدتها وتضامنها هو لدليل على أن سياسة القمع والتسّف لن تزيد العمال وطليعتهم النقابية إلّا صلابة وتمسّكا بمبادئ العمل النقابي الحر ويمانا بمثل العدالة والمساواة والحرية ولن تزرع في نفوسهم سوى جذوة التضحية والصمود.

واعتبر الأمين العام للنقابة الشغيلة أنّ الغاية من استعراض أحداث شيكاغو منذ 137 سنة والمجزرة الرهيبة التي ارتكبتها آلة القمع الرأسمالي في حقّ العمال العزّل الأبرياء هو استحضار أرواح شهداء تونس الذين سقطوا فداءً لاستقلال تونس وتخليصها من الاستعمار البغيض، وهو استحضار أيضا لذكرى شهداء الاتحاد العام التونسي للشغل الذين دفعوا أرواحهم قربانا لتحرير الوطن من ربقة الاستعمار ومن أجل التخلّص من الإضطهاد الإجتماعي للطبقة العاملة ولمجمل الشعب التونسي الكادح وفي سبيل بناء وطن تسوده المساواة والعدالة الإجتماعية وينعم فيه كل التونسيين بالحريّة والديمقراطية والعيش الكريم.

وويواصل الطبوبي في ذات خطابه قائلا إنّ الشعب التونسي قد دفع الثمن غاليا من أجل تحرير الوطن وقدم في سبيل ذلك قافلة من الشهداء الأبرار منذ اليوم الأول لدخول الجيش الفرنسي لبلادنا سنة 1881 وإلى غاية عيد الاستقلال، منوّها بالدور الأساسي والريادي للاتحاد في تحقيق النصر على المستعمر والذي تشهد عليه المعارك التي خاضتها الطبقة العاملة التونسية تحت قيادة الإتحاد في مواجهة الإضطهادين الوطني والإجتماعي في كل مدينة وقرية وفي كل حقل ومصنع وتشهد على ذلك أيضا قائمة الضحايا في تونس والشمال الغربي والحوض المنجمي وصفاقس وفي الجنوب والوطن القبلي وعلى رأس هذه القائمة الشهيد المؤسس للاتحاد الزعيم فرحات حشاد. 

واستحضر الطبوبي في خطابه أيضا دور الاتحاد في خوض معركة الإستقلال وذلك الزخم الكبير من التضامن النقابي الدولي مع الإتحاد ومع نضالات الشعب التونسي من اجل تحرير الوطن، وما وجدته الحركة النقابية التونسية والحركة النقابية العالمية من دعم لا محدود نقل القضية التونسية من المحلية إلى الساحة السياسية الدولية وصولا إلى مجلس الأمن الدولي بما مثّل ضغطا كبيرا على السلطة الإستعمارية من جهة ودعما معنويا وسياسيا قويا للاتحاد وللحركة الوطنية عموما في نضالها السياسي وكفاحها المسلّح من ناحية أخرى...

وبيّن نور الدين الطبوبي بأنّ هذا التضامن النقابي الدولي قد تجسّم على الساحة العالمية  سواء من خلال المؤسسات والمنابر الدولية التي فتحت ذراعيها للزعماء السياسيين والنقابيين او من خلال الزيارات التي كان يقوم بها قادة أهم نقابات العالم لبلادنا في ذلك الوقت للتعبير عن التضامن والدعم من جهة وفضح القمع الاستعماري وكشف ممارساته في المحافل الدولية من جهة أخرى...

ولعلّ من أهمها زيارة الوفد النقابي الدولي يقوده جورج ميني زعيم النقابات الأمريكية للتعبير عن التضامن واستنكار المذبحة الإستعمارية إثر أحداث النفيظة في نوفمبر 1951، مشدّدا على انه ورغم رزخ البلاد آنذاك تحت وطئة القمع الاستعماري فإن السلطات الاستعمارية لم تجرأ على منع هذا الوفد من دخول التراب التونسي والتعبير عن تضامنه مع الاتحاد ومع القضية الوطنية التونسية...

وأشار الطبوبي إلى أنّ التضامن الدولي من الاتحاد العام التونسي للشغل استمر بنفس الروح بعد الاستقلال، حيث ساهمت النقابات في الدول الصناعية في تمويل خطة منظمة العمل الدولية في إقامة أولى مراكز التكوين بتونس وفي نقل تجربتها في العديد من المجالات مثل الحماية الإجتماعية ووضع قوانين العمل وغيرها..

كما ساندت الحركة النقابية الحرة موقف الإتحاد في الدفاع عن الاستقلالية وحرية قراره والدفاع عن حقوق منظوريه والصمود في وجه الحملات القمعية التي طالته في سنوات 1965 و1978 و1985، ونددت بما تعرّض له النقابيون من قمع وسجون ومحاكمات...

كما تصدّت الحركة النقابية الدولية لمحاولات السلطة آنذاك تدجين العمل النقابي وفرض قيادات منصّبة على رأس الإتحاد العام التونسي للشغل، وانحازت تماما إلى قوى الحرية ومناضلي الديمقراطية وحقوق الإنسان الذين كانوا يقاومون الاستبداد، ولم تنقطع الوفود النقابية من مختلف بلدان العالم من زيارة تونس حتى في ذروة فترات القمع والإستبداد للتعبير عن تضامنها مع الإتحاد وهياكله الشرعية ومطالبته السلطات التونسية باحترام الحق النقابي والحق في المفاوضة الجماعية وإطلاق سراح النقابيين وإعادة المفصولين منهم إلى عملهم وإلى الإلتزام بالإتفاقيات الدولية ذات العلاقة وفق ما جاء على لسان الطبوبي...

وابرز المتحدّث أنّ التضامن النقابي الدولي يمثّل إحدى المبادئ الأساسية التي انبنت عليها الحركة النقابية فهو سلاحها الوحيد في نيل حقوق الطبقة العاملة وكبح جماح الاستغلال الرأسمالي والتصدّي لكل مظاهر القمع وهدر كرامة العمّال والنيل من حريّة العمل النقابي..

إنّ تذكير نور الدين الطبوبي في خطابه بالمساندة والتضامن النقابي الدولي للاتحاد كان لتجديد استنكاره وشجبه "طرد" السلطات التونسية للأمينة العامة لاتحاد النقابات الأوروبية استر لينش شهر فيفري المنقضي من ذات السنة الحالية 2023، معربا عن أسفه من هذه الممارسات التي ترمز على حدّ تعبيره إلى تنكّر لدور الحركة الوطنية في تضامنها مع الشعب التونسي خلال معركة التحرّر الوطني أو خلال معاركه ضدّ الإستبداد والدكتاتورية..

واعتبر أنّ ما حصل من شأنه أن يسيء لسمعة تونس ويشوّه تلك الصورة المضيئة التي ميّزت العلاقات الإجتماعية لبلادنا، والتي قدّمت للمؤسسات الدولية المهتمة بعالم الشغل كمثال يحتذى به في مجال المفاوضة الإجتماعية والحوار الإجتماعي وحرية الممارسة النقابية...

واعتبر الطبوبي في خطابه أن منع وطرد بعد المسؤولين النقابيين الدوليين هي حادثة فريدة من نوعها في تونس، وهي بالإضافة إلى ما ترمز إليه من "جحود وتجاهل للتاريخ" تمثّل أيضا إحدى تمظهرات الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وهي أزمة تعمّقت أكثر وازدادت حدّتها جرّاء اختلال التوازن بين السلطات ونتيجة للتفرّد بالرأي وفرض الأمر الواقع في تهميش للقوى الوطنية وللمجتمع المدني وللمؤسسات التي أضحت تعيش حالة من التفكك والانقسام وضبابية الرؤية...

ويواصل الطبوبي حديثه عن تمظهرات هذه الأزمة السياسية، معتبرا أنّ إدارة السلطة التنفيذية قد أدارت ظهرها لكل حوار جدي مع القوى الوطنية والاجتماعية والفاعلين الاقتصاديين بشأن سبل تجاوز هذا الوضع عن طريق رسم خيارات جدية وصياغة البرامج التنموية التي من شأنها تقوية الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية واعادة البلاد الى سكة النمو من خلال تطوير الاستثمار والحد من البطالة ومحاصرة بؤر الفقر والامية والإقصاء..

وشدد الأمين العام للمنظمة الشغيلة  على أنّ استمرار غياب الحوار لن يزيد سوى حالة الإنقسام التي يمر بها المجتمع ومن اتساع الهوة بينه وبين الدولة ومؤسساتها، وهو ما سيؤدي بالضرورة الى استفحال الأزمة الإقتصادية والإجتماعية بالبلاد واتساع رقعة الفقر وتآكل المقدرة الشرائية لعموم المواطنين والانهيار المتسارع للطبقات الوسطى..

سياسة الهروب إلى الأمام

 وأضاف نور الدين الطبوبي ان استمرار حالة التدهور التي تزداد حدّته يوما بعد يوم والإصرار على تجاهل أسباب الأزمة وأبعادها هو شكل من أشكال الهروب إلى الأمام والذي سيساهم في اضعاف القدرات على التغلّب عليها وسيزيد من هشاشة الموقف تجاه الشركاء الإقتصاديين والمؤسسات الدولية...

تثمين لموقف رئيس الجمهورية

في المقابل علّق الطبوبي على كلمة رئيس الجمهورية قيس سعيد الأخيرة التي عرّج فيها على مسألة التفاوض مع صندوق النقد الدولي، عن طريق استلهام مثل مصري جاء في منطوقه "الميّة تكذّب الغطّاس"، معتبرا ان الاتحاد يثمّن ما جاء على لسان رئيس الجمهورية في تأكيده رفضه أيّة إملاءات من شأنها تفقير الشعب التونسي وهو موقف منسجم تماما مع المواقف التي عبّر عنها الاتحاد العام التونسي للشغل منذ سنوات عديدة في خصوص ما يعبّر عنه بالإصلاحات التي يطالب بها صندوق النقد الدولي مقابل تقديم قروض للبلاد تتركّز أساسا على رفع الدعم على المواد الأساسية والطاقة والتفويت في المؤسسات العمومية والضغط على الإنفاق العمومي وتقليص حجم الأجور ووقف الإنتدابات ومزيد تحرير المبادلات وفتح الأسواق...

وهي إجراءات ستؤدي إلى تحجيم الدور التعديلي للدولة وزيادة نسب التضخم والتهاب الأسعار والتقسيم الإجتماعي ووضع المؤسسات التونسية تحت ضغوطات لا طاقة لها بها هذا بالإظافة إلى ما سينجرّ على التفويت في المؤسسات العمومية من تسريح للعمال وتفاقم لعدد من العاطلين وبالتالي من تأزيم أوضاع الصناديق الإجتماعية..

واعتبر الطبوبي ان تأكيد الاتحاد على ايجابية الموقف الصادر من رئاسة الجمهورية يجره في المقابل الى التساؤل عن جدوى تفاوض الحكومة مع صندوق النقد الدولي طوال سنة ونصف وهو ما يدعو إلى ما وصّفه بـ "الحيرة الحقيقية"..

 دروس يمكن استخلاصها

وبيّن الطبوبي أنّ ازمة العلاقة مع صندوق النقد الدولي وعلى الرغم من تداعياتها الآنية والمتوقّعة على وطننا، فإنّها تقدّم دروسا كثيرة وجب الإنتباه إليها واستخلاص العبرة منها وأول هذه الدروس هو التاكيد أنّ عهد الأنبياء المعصومين القادرين بالإتيان بالمعجزات قد ولى وانتهى، وأنّ عهد سخاء الأصدقاء قد ولى وانقضى هو أيضا والمعجزة الحقيقية التي بإمكانها إنقاذ بلادنا وإخراجها من وضعها الصعب والمعقد هو التعويل أولا على قدراتنا وتجميع قوانا الذاتية وتوحيدها حول مشروع وطني يلبي طموحات الشعب التونسي في حياة مزدهرة وعيش كريم في مجتمع تسوده الحريات الفردية والعامة وتشده الى بعضه البعض المساواة والعدالة الاجتماعية وتطبيق القانون على الجميع..

وجدّد الطبوبي قوله إنّ الإتحاد العام التونسي للشغل ما انفك يؤكد منذ تأسيسه على أولوية الإعتماد على النفس وعلى الكفاءات التونسية وعدم الرضوخ الى الإملاءات الخارجية والعمل الجدي على الرفع من قدرات الاقتصاد الوطني ودعم المؤسسة الانتاجية التونسية وخلق الثروة عبر المشاريع الكبرى ذات قدرة تشغيلية عالية وهو الخيار الأمثل الذي ينبغي التوحّد حوله، كما أنّ الإتحاد يؤمن بأنّ تقاسم التضحيات في كنف العدل والشفافية ووضوح الأهداف ضمن رؤية ومشروع وطني تشاركي هو أساس النجاح خاصة في زمن المصاعب والأزمات الكبرى...

اما الدرس الاخر الذي يجب ان نأخذ العبرة منه في علاقة مع صندوق النقد الدولي، أكد الطبوبي أنه يتمثل في العمل على صيانة استقلالية القرار الوطني وإفشال أية إملاءات خارجية وهو الذي يبقى مرتبطا وجوبا بتماسك الجبهة الداخلية ووحدة كل مكونات الشعب وقواه الوطنية ووقوفه صفا واحدا للدفاع عن مصالحه وتحقيق أهدافه تجنّبا لأيّ محاولة للتدخّل في شأننا الداخلي..

تعتيم وضبابية رافقت مفاوضات صندوق النقد الدولي

وتساءل نور الدين الطبوبي عن خلفيات التفاوض بين الحكومة وصندوق النقد الدولي وكيف تم اعداد محتوى البرنامج الذي قدمته الحكومة، معتبرا أنّ إعداد هذا الملف التفاوضي مع الصندوق كان في تعتيم تام وأنّ الحكومة قدّمت تعهّداتها دون أيّ تشاور أو تشريك للاطراف الاجتماعية والقوى الوطنية الاخرى..

وأشار الى انّ المنظمة الشغيلة مازالت تجهل إلى اليوم ما تفاوضت الحكومة بشأنه مع هذا الصندوق، منوها بالغموض والكتمان اللذان يلفّان إعداد الوثيقة الأولية الموقعة بين الطرفين متسائلا عن طبيعة الوعود والالتزامات التي قُدمت الى صندوق النقد الدولي والتي سيكون لها تأثير كبير على حياة ومستقبل التونسيين الذين لا يعلمون عن هذه الأسرار التفاوضية أيّ شيء..

وقال الطبوبي إنّ الحكومة قد تخلت بهذا التمشي على السند الشعبي في إدارة هذا الملف وأسقطت بذلك ورقة هامة بتعديل ميزان التفاوض ووضعت نفسها في موقف ضعيف...

اما الدرس الثالث الذي أثارته هذه القضية، هو أنّ التفاوض مع صندوق النقد الدولي اختزل مظاهر الأزمة العميقة التي تعيشها تونس والأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها السلطة القائمة في معالجة مختلف مظاهرها وفشلها في إيجاد الحلول لها وعجزها عن تجميع التونسيين عن مواجهتها...

تحذير من العودة إلى مربّع الإستبداد والقمع

واعتبر الطبوبي أنّ الإصرار على امتلاك الحقيقة المطلقة والانفراد بالرأي وإقصاء الرأي المخالف وكيل الإتهامات للخصوم بالخيانة والعمالة والفساد دون إثبات واستعداء العمل النقابي والتضييق على الحريات، لن يقود البلاد الا الى التشتت والانقسام وبالتالي الى استفحال الأزمات علاوة على خطر الرجوع إلى مربّع الإستبداد والحكم الفردي والقضاء تدريجيا على المكاسب الديمقراطية التي جاءت بها الثورة الوطنية...

المبادرة الوطنية الرباعية

وأكّد الطبوبي أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل ونتيجة لكل التخوّفات قام صحبة عمادة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والمنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية ببادرة، لم يسعى من ورائها الرباعي لا الى اعتلاء مناصب أو الوصول إلى السلطة أو استعداء السلطة التنفيذية أو اي مكون من مكونات السلطة السياسية أو الى تحقيق أي مكسب مادي..

وبيّن أنّ الغرض من هذه المبادرة هو الاضطلاع بدورهم كقوى مدنية وطنية في اخراج بلادنا من أزمتها الخانقة، وتوحيد كل القوى الوطنية التي من الممكن توحيدها حول جملة من المبادئ وإنهاء حالة الإنقسام والضبابية، وصولا إلى مشروع وطني يدعم المكاسب الوطنية في مجال الحريات والديمقراطية ويطوّرها ويعيد لبلادنا نسق نموها ويلبي انتظارات شعبها وشبابه وبالخصوص في المساواة والعدالة الإجتماعية وسيادة القانون على حدّ تعبيره..

لا تسامح ولا مصالحة مع من تورّط في الإرهاب والعنف والفساد

وأكد الطبوبي في ذات خطابه أن أيّة وحدة ومصالحة لا تعني التسامح مع من تورّط في الإرهاب والعنف، ولا تعني غضّ النظر عن المتورّطين في ممارسة الفساد أو المستفيدين منه ولا تعني أيضا فسح المجال السياسي إلى من لا يؤمن بالدولة التونسية وقوانينها وسيادتها الوطنية، قائلا "لا وحدة ولا مصالحة مع كل من تورط مع الارهاب والعنف ومن يدعو إليه ولا وحدة أو مصالحة مع كل من تورط في الفساد أو استفاد منه... ولا وحدة ولا مصالحة مع من يعادي الدولة التونسية ولا يعترف بسيادتها أو من لا يدين لها وحدها بالولاء التام لذلك كان شعاررنا على خلاف الكثيرين المحاسبة فالمصالحة"...

مسار 25 جويلية 2021 في البال

وعن مسار 25 جويلية 2021، أفاد الطبوبي في خطابه أنّ الكل يعلم تفاعل الاتحاد السابق مع هذا المسار واعتباره تلك اللحظة فرصة تاريخية لدفع مسار الثورة نحو تحقيق طموحات الشعب التونسي ونيل حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة الفعلية في وضع السياسات وصياغة البرامج التي تنهض بالبلاد وتطوّر من مستوى معيشه وترسم مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة.

وأقرّ بأنّ تفاؤل الاتحاد كان كبيرا بشأن هذا المسار الذي كان يأمل منه سعيه إلى تفادي الأخطار التي حفت بتجربتنا الديمقراطية الناشئة واتجاهه نحو إزالة ما علق بها من شوائب ونقائص وتجاوزات وإدخال ما يستوجبه دفع المسار الديمقراطي من تصحيح ومن إيلاء المسألة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية العناية التي غابت في العشرية التي سبقت 25 جويلية 2021 وهو ما لم يحدث...

وبيّن الطبوبي أنه وبناء على ما تمّ إبرازه من عدم تحقيق مسار 25 جويلية 2021 لكل الآمال المرجوّة، تمّ صياغة المبادرة الوطنية للحوار التي من المقرر تقديمها لرئاسة الجمهورية على أمل إطلاق حوار شامل من أجل الإتفاق حول إصلاحات حقيقية بديلة عن تلك الإصلاحات المزعومة التي تضغط باتجاهها الدوائر المالية الدولية والقوى المرتبطة معها محليا والتي تستثيقها الحكومة الحالية وتبحث عن إرضائها وفق قوله..

وأضاف الأمين العام للمنظمة الشغيلة "غايتنا في ذلك اصلاح منظومة التعليم والتربية بما يضمن مدرسة عمومية توفّر تعليما مجانيا ذو جودة عالية، وتربية تكوّن أجيالا قادرة على التفكير والنقد والإبتكار وإعمال العقل.. مدرسة تعزّز قيم المعرفة والعلوم وتحفظ كرامة المربين وترفع عنهم الغبن والحيرة والشعور بالضيم وقد حان الوقت لقرار سياسي جديد ينقذ السنة الدراسية قبل فوات الاوان ويفي المربين حقوقهم ويلبي مطالبهم...

 نريد إصلاحا جبائيا يقيم العدل بين مختلف الشرائح الاجتماعية ومحفزا للإستثمار وخالقا للثروة اصلاحا جبائيا يوفر للدولة من الوارد ما يعزز من دورها التعديلي، واستقلاليتها ما يحول دون التداين المطلق وارتهان القرار الوطني لدى الدائنين..

نريد اصلاحا لمنظومتنا الصحية بما يضمن جودة العلاج بالمؤسسات العمومية لكل التونسيين ويحول دون هجرة الكفاءات التونسية نحو الخارج ونريد اصلاحا للمنظومة الفلاحية ببلادنا بما يوفر للشعب أمنه الغذائي ويبعد عنه شبح التبعية الغذائية والجوع والعطش..

نريد أيضا إصلاحا حقيقيا للقضاء بكل ما من شأنه أن يعزّز من استقلالية السلطة القضائية ويبسّط ويسرّع إجراءات التقاضي ويضمن المساواة بين جميع التونسيات والتونسيين امام القانون، بعيدا عن كل اشكال الفساد او التدخل في شؤون القضاء من أي جهة كانت..

نريد ايضا اصلاحا لتعميم الحماية الاجتماعية وحماية صناديق الضمان الإجتماعي من شبح العجز والإفلاس، وتوفير أفضل الخدمات للمضمونين الإجتماعيين وذويهم.. ونريد إصلاحا للإدارة التونسية ولقطاعات النقل والطاقة زالبيئة ولمنزومة التكوين المهني والتشغيل نريد اصلاحا يوفر العمل اللائق والعيش الكريم لشبابنا حتى لا يضطر للابحار في قوارب الموت بحثا من خلال الهجرة غير النظامية عن ظروف حياة أفضل وهروب من حالة اليأس والإحباط والتهميش"..

واعتبر الطبوبي أنّ هذه الاصلاحات الحقيقية هي التي ينتظرها الشعب التونسي والتي ما انفك الإتحاد العام التونسي للشغل يطالب بها منذ عقود طويلة، لكن تمت مجابهته بكل أشكال القمع بما في ذلك اللجوء الى القتل والاعتقالات والسجون والمحاكمات الصورية لتدجينه وإخماد صوته امعانا في سياسات القمع والاستغلال والحيف والتمييز الجهوي، مؤكدا بأنّهم لن يقدروا على إخماد صوت الاتحاد المستقل المناضل المنادي بكل القضايا الإجتماعية العادلة..

وأضاف الطبوبي في ذات الخطاب "كنا نأمل أن تكون لحظة 25 جويلية إيذانا في الشروع في هذه الإصلاحات وتجديدا لكل طاقات الشعب التونسي لانجاحها، ولكننا صدمنا مرة أخرى باستمرار هذه السلطة مثل سابقاتها في انتاج نفس المنوال التنموي بنفس الآليات وبنفس الإرتجال لنصل في نهاية المطاف إلى نفس النتائج ونجد انفسنا مرة أخرى واقفين على أبواب الجهات المانحة واستعطاف بعض الدول على المساعدة والحصول على قروض لن تزيد إلا تعميفا في حجم مديونيتنا وتهديدا لاستقلالية قرارنا الوطني".. 

وجدّد الطبوبي تأكيده بأنّ الدافع للقيام بهذه المبادرة المشتركة هو الحرص على أمن البلاد واستقرارها وحماية استقلالها والتوحّد حول شروع وطني متكامل لإخراج البلاد من أزمتها الخانقة ومن عزلتها الإقليمية والدولية وإنقاذها من شبح الإفلاس.

لا خيار لتونس سوى الحوار

وشدّد على أنّه لا خيار لتونس سوى الحوار لفض المشاكل داخل "البيت الوطني"، حوار ينبنى على التمسك التام بالخيار الديمقراطي وضمان حق الجميع في التعبير والتجمّع والمشاركة بعيدا عن كل أشكال التفرّد بالرأي واستعداء العمل النقابي او ترذيل أو تخوين اصحاب الرأي الآخر وبعيدا عن كل تدخل خارجي مهما كان شكله او مأتاه..

وأشار الطبوبي في ذات الخطاب على أنّ اتحاد الشغل ماض في دفاعه المستميت عن الاجراء وعن مطالبهم في توفير اجور عادلة وظروف عمل لائقة تفسح أمامهم مجال الإبداع والتميز،  وتطوير القدرات التنافسية للمؤسسات الوطنية وأنه سيبقى مجنّدا لحماية مكاسب الشغالين والدفاع عن حقوقهم المادية والمهنية..

وأضاف أنّ الاتحاد سيواصل نضاله من أجل أن تحترم الحكومة الاتفاقيات التي أبرمتها مع الطرف النقابي بما في ذلك تطبيق الاتفاقيات المبرمة ومراجعة الأجور، وفق ما تمّ الإتفاق حوله لتقييم دوري للتضخم والنمو ومراجعة سنوية للأجر الادنى المضمون وفي الحق في المفاوضة الجماعية الحرّة ووقف الملاحقات والاجراءات التعسّفية لترهيب النقابيين ولاحترام كامل للحق في الاضراب وفق ما تنص عليها الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالحقوق والحريات النقابية ومن الضروري...

وأبرز الطبوبي أن الاتحاد يطالب بضرورة الترفيع في منحة العائلات المعوزة ومراجعة جرايات التقاعد التي هي دون الأجر الأدنى، وانّ رسالته ستكون واضحة في هذا المجال "لا مجال لسياسة التضييق على الحريات النقابية واتباع نهج استعداء الاتحاد والعمل النقابي والزج بمناضلي الاتحاد في السجون وحياكة الملفات من قبل بعض الوزراء المعادين للعمل النقابي وشنّ الحملات المسعورة، ولا مجال لنشر الأكاذيب وهرسلة النقابيين وكل هذه الممارسات لن ترهب الاتحاد ولن تجعله يتراجع عن مبادئه ومواقفه ولن تنجح في الضغط عليه للتخلي عن حقوق العمّال والطبقات الشعبية الكادحة أو الرضوخ لخيارات وسياسات لا شعبية تتعارض مع مصلحة الوطن ومصلحة الشعب... 

 "نريد لهم الخير ويريدون لنا المحاكمات" 

وأكد الطبوبي ان الحملة العدائية التي تستهدف الإتحاد ومناضليه اليوم هي انتهاك صارخ للحق النقابي، وهي حملة تعيد للأذهان ما حمله عنوان عريض لجريدة الشعب في عددها الذي صدر الليلة التي سبقت إضراب 26 جانفي 1978 والذي جاء فيه على لسان الزعيم الحبيب عاشور "نريد لهم الخير ويريدون لنا المحاكمات"..

وقال الطبوبي في هذا الإطار" واليوم أعيد على الملأ مقولة الحبيب عاشور نريد لتونس ولشعبها الخير ونجتهد لرصّ الصفّ الوطني ونقدّم الإقتراحات والتصورات لإنقاذ البلاد... وهم يعدون لنا بالمقابل سرّا وجهرا المحاكمات ويلفقون لنا الملفات ويوجهون لنا شتى التهديدات العلنية والمبطنة للتخلي عن واجبنا النقابي في محاولة يائسة لالزامنا الصمت ازاء ما يعيشه الشغالون من أوضاع مزرية وما تعانيه البلاد من اخطار"...

هذا وذكّر نور الدين الطبوبي في خطابه بوقوف الاتحاد ودعمه لمناضلاته ومناضليه ولكل ضحايا "الهجمة التعسفية" سواء من الذين زج بهم في السجن او الايقاف كأنيس الكعبي الكاتب العام لنقابة شركة تونس للطرقات السيارة والنقابي الناصر عمارة، مؤكدا ان ما بين 150 و200 عامل من المتعاقدين مع شركة تونس الطرقات السيارة هم اليوم في الشوارع بعد أن وقع طردهم..

"هيهات لن تعاد الجرّة ولن تعاد الكرّة"

واعتبر الطبوبي أن التاريخ يعيد نفسه من أجل ضرب الحق النقابي والمكتسبات لكن "هيهات لن تعاد الجرّة ولن تعاد الكرّة" بفضل صمود بناته وأبنائه، مطالبا بإطلاق سراح النقابيين المسجونين وكل الذين يخضعون للتتبعات القضائية كنقابيي قطاع النقل والشؤون الدينية ووزارة التجارة وغيرهم من الذين تمت إحالتهم على مجالس التأديب بسبب أنشطتهم النقابية مثلما يحدث في وزارة الشؤون الثقافية ..

وختم الطبوبي خطابه بمثل شعبي مفاده "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب" مشددا على انّ الاتحاد متماسك وأن كل المطالب والاتفاقيات ستطبق أحب من أحب وكره من كره...

منارة تليجاني